القرطبي

216

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

لأنها نزلت من كريم ، لان كرامة الكتاب من كرامة صاحبه . وقيل : المراد كتب الأنبياء ، دليله : " إن هذا لفي الصحف الأولى . صحف إبراهيم وموسى " [ الاعلى : 18 - 19 ] . " مرفوعة " رفيعة القدر عند الله . وقيل : مرفوعة عنده تبارك وتعالى . وقيل : مرفوعة في السماء السابعة ، قاله يحيى بن سلام . الطبري : مرفوعة الذكر والقدر . وقيل : مرفوعة عن الشبه والتناقض . " مطهرة " قال الحسن : من كل دنس . وقيل : مصانة ( 1 ) عن أن ينالها الكفار . وهو معنى قول السدي . وعن الحسن أيضا : مطهرة من أن تنزل على المشركين . وقيل : أي القرآن أثبت للملائكة في صحف يقرؤونها فهي مكرمة مرفوعة مطهرة . ( بأيدي سفرة ) أي الملائكة الذين جعلهم الله سفراء بينه وبين رسله ، فهم بررة لم يتدنسوا بمعصية . وروى أبو صالح عن ابن عباس قال : هي مطهرة تجعل التطهير لمن حملها " بأيدي سفرة " قال : كتبة . وقاله مجاهد أيضا . وهم الملائكة الكرام الكاتبون لأعمال العباد في الاسفار ، التي هي الكتب ، واحدهم : سافر ، كقولك : كاتب وكتبة . ويقال : سفرت أي كتبت ، والكتاب : هو السفر ، وجمعه أسفار . قال الزجاج : وإنما قيل للكتاب سفر ، بكسر السين ، وللكاتب سافر ، لان معناه أنه يبين الشئ ويوضحه . يقال : أسفر الصبح : إذا أضاء ، وسفرت المرأة : إذا كشفت النقاب عن وجهها . قال : ومنه سفرت بين القوم أسفر سفارة : أصلحت بينهم . وقاله الفراء ، وأنشد : فما أدع السفارة بين قومي * ولا أمشي بغش إن مشيت والسفير : الرسول والمصلح بين القوم والجمع : سفراء ، مثل فقيه وفقهاء . ويقال للوراقين سفراء ، بلغة العبرانية . وقال قتادة : السفرة هنا : هم القراء ، لأنهم يقرءون الاسفار . وعنه أيضا كقول ابن عباس . وقال وهب بن منبه : " بأيدي سفرة . كرام بررة " هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . قال ابن العربي : لقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرة ، كراما بررة ، ولكن ليسوا بمرادين بهذه الآية ، ولا قاربوا المرادين بها ، بل هي لفظة مخصوصة بالملائكة عند الاطلاق ، ولا يشاركهم فيها سواهم ، ولا يدخل معهم في متناولها غيرهم . وروي

--> ( 1 ) كذا في الأصول وهو مخالف لما في كتب اللغة . الصواب : ( مصونة ) . انظر تاج العروس .